هشام جعيط

62

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

من المهم أن نلاحظ ، انطلاقا من فكرة الاستمرارية الزمنية للأجيال المسلمة ، أن عمر اعتبر الثروة العقارية في العراق فيئا ، حسب ما ذكر الفقهاء . ومضمون ذلك ليس أن الدولة تتصرف بها حسب مشيئتها ، بمعنى أن تنزعها من المقاتلة ، بل معناه أن على الدولة أن تقوم بدور الوساطة ، وتبتكر حلا وسطا يجعل من الفيء ملكا مشاعا للمجتمع الإسلامي ، فيشمل بداية وقبل كل شيء كل الذين قاتلوا من أجله . وبهذا المعنى يقع الفيء في الوسط ، بين الغنيمة المكوّنة من الأموال المنقولة والقابلة للتقسيم ، والخاضعة لدفع الخمس إلى بيت المال « 1 » وبين التصور القرآني للفيء الذي يوكله تماما إلى مشيئة الرسول ، فصار الفيء نوعا من الوقف تتصرف به الدولة لمصلحة الجميع ، الحاضرين منهم والغائبين « 2 » . ووافق أفراد الجيش على ذلك بعد أن استشيروا على تصور الأمور هذا . وأفضل من ذلك : فيما يخص الأراضي الملحقة بالتاج الساساني والمحاربين الإيرانيين والمعروفة بالصوافي ، لكن أيضا بالفيء أكثر تحديدا ، فقد خوّل لهم تقاسمها ، لكنهم فضلوا عدم التقسيم . وقد ذكر سيف أنهم فهموا أن تفرقهم في السواد قد يضرّ بالتأكيد بوظيفتهم الحربية كما يضر بعزمهم على البقاء معا « 3 » . لنتمعن في الأمور عن كثب . عاد الفلاحون سكان المنطقة الواقعة بين الفرات ودجلة وكذلك فلاحو ما وراء دجلة ، إلى أراضيهم بعد تبدد الرعب ولا سيما أنهم شجعوا على العودة . فنجوا بداية من العبودية حيث أن عودتهم قامت مقام العهد وبقوا على حالهم في استغلال الأرض « 4 » . وكل الذين لجأوا إلى الفرس ولم يعودوا عن طيب خاطر ، استثنوا من

--> - ضغينة بسبب استثنائهم بالذات من الفيء . يلاحظ بلاشير : Blache ? re , Coran . III , p . 979 ، أن الآية العاشرة لا ارتباط لها بالآية السابقة من الوجهة النحوية . وعندي أن الأمر ربما تعلق بسوء تأويل للقرآن أقدم عليه أبو يوسف ، ونسب إلى عمر لا غير . ويمكن تفسير ذلك بكون مدرسة الرأي العراقية لم تكن على علم كاف بالظروف التاريخية التي وقع فيها نزول القرآن . هناك فرق كبير ملحوظ بين الشرّاح ومتخصصي السيرة ، من ابن إسحاق إلى الطبري . ( 1 ) كان المسلمون الأوائل مشدودين إلى نموذج خيبر ، الذي أكدته الآية 41 من سورة الأنفال حيث الغنيمة التي تشمل الأموال المنقولة والعقارية تقسم قسمين يأخذ منها المقاتلة أربعة أخماس ويسلم الخمس المتبقي إلى الرسول لتسديد الصدقات . عمل عمر بهذه القاعدة بالنظر للغنيمة المنقولة فحسب والقابلة للتقسيم والتخميس . ولم يطبق على الأرض مبدأ اقتطاع الخمس ، لأنه لم يتم تقسيمها . فينبغي لذلك التفكير في مصدر أعطيات أهل المدينة المتأتية من المداخيل الاجمالية لا من الخمس . وقد وجب على الفقهاء الذين اضطربوا في الأمر فعقلنوه بعديا ، أن يقبلوا بوجود خطين وسنتين ، سنة الرسول وسنة عمر : ابن سلام ، كتاب الأموال ، ص 60 . انظر أيضا البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 265 . ( 2 ) الطبري ، ج 3 ، ص 614 - 615 ، وص 584 - 585 . ( 3 ) الطبري ، ج 4 ، ص 31 ؛ كان الجيش هو الذي بادر بالأمر . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 30 ؛ البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 265 - 266 ؛ أبو يوسف ، كتاب الخراج ، ص 35 -